Home
Image

هل تعلم الحكومة مقدار ما يُنفق يومياً على البنزين في السيارات الرسمية في باكستان؟

إذا كان الهدف حقاً هو ترشيد استهلاك الوقود، فإن أول ما ينبغي مراجعته هو استخدام السيارات الحكومية، لا التفكير في إجراءات من قبيل إغلاق المدارس والكليات.
تُستهلك يومياً في سيارات مختلف المؤسسات الحكومية في باكستان نحو مليونين ونصف المليون لتر من البنزين والديزل. وإذا نُظر إلى هذه الكمية على أساس شهري، فإنها تبلغ نحو خمسة وسبعين مليون لتر شهرياً.
وبموجب سياسة المركبات الجديدة في البنجاب، مُنح كبار المسؤولين أيضاً سيارة منفصلة للاستعمال الشخصي، وقد قيل في تبرير ذلك إن أفراد أسرهم قد يشعرون بالحرج عند الذهاب إلى الأماكن العامة في سيارة حكومية تحمل اللوحة الخضراء الرسمية.

🔸 أعدّت الحكومة، في ظل الوضع الحربي في المنطقة واحتمال تأثر إمدادات النفط، خطة عمل وطنية لترشيد الوقود. وتتضمن هذه الخطة مقترحات من قبيل تشجيع العمل من المنزل في المكاتب الحكومية والخاصة، وإمكانية إدخال التعليم عن بُعد في المؤسسات التعليمية، حتى يمكن خفض استهلاك الوقود. غير أن أي سياسة واضحة وشاملة للحد من استهلاك وقود السيارات الحكومية لم تظهر إلى العلن، مع أن هذا القطاع يُعد في الوقت الراهن من أكبر أسباب استهلاك الوقود.

ولا يوجد في باكستان بيان حكومي مركزي موحد يحدد حجم الإنفاق على البنزين والديزل في السيارات الرسمية، لأن الحكومة الاتحادية، والأقاليم، والشرطة، والقضاء، والمؤسسات العسكرية، والهيئات المستقلة المختلفة، تُدير أساطيلها كلٌّ ضمن موازنته الخاصة. غير أنه إذا جُمعت تقارير التدقيق الحكومي، والأسئلة البرلمانية، والتحقيقات الإعلامية، والمعلومات المتحصّل عليها بموجب قوانين حق الحصول على المعلومات، أمكن الوصول إلى تقدير معقول لحجم هذا الإنفاق.

🔸 يُقدَّر اليوم أن في باكستان نحو مئتي ألف سيارة حكومية موزعة على مؤسسات مختلفة. وتشمل هذه السيارات، باستثناء القوات المسلحة الباكستانية، مركبات الوزارات الاتحادية، والدوائر الإقليمية، والإدارات المحلية، والشرطة، ومختلف الشركات الحكومية.

وإذا نُظر إلى القواعد الحكومية وإلى التسهيلات الوقودية الممنوحة في مختلف الدوائر، وُجد أن بعض السيارات الحكومية تُحدد لها حصة شهرية تقارب 200 إلى 250 لتراً، في حين قد تصل هذه الكمية لدى الضباط الميدانيين، والشرطة، وبعض الجهات الأخرى إلى 400 أو 500 لتر، بل وأكثر من ذلك. وإذا حُوِّلت هذه الحدود المختلفة إلى تقدير يومي، فإن السيارة الحكومية الواحدة تستهلك في الغالب ما بين 7 و14 لتراً من البنزين أو الديزل يومياً. وعند الجمع بين الحدين الأدنى والأعلى، يكون متوسط الاستهلاك اليومي للسيارة الحكومية الواحدة نحو 10 إلى 11 لتراً.

وإذا اعتُمد هذا المتوسط أساساً لتقدير استهلاك مئتي ألف سيارة حكومية، فإن استهلاك السيارات الحكومية في باكستان يتراوح يومياً بين مليوني لتر ومليونين وثمانمئة ألف لتر من البنزين أو الديزل، وهو ما يمكن تبسيطه بالقول إنه يقارب مليونين ونصف المليون لتر يومياً.

🔸 إذا كان ما يُستهلك فعلاً في السيارات الحكومية في باكستان نحو مليونين ونصف المليون لتر يومياً من البنزين والديزل، وإذا افترضنا أن متوسط السعر هو 330 روبية للتر الواحد، فإن معنى ذلك أن الإنفاق اليومي يبلغ نحو 825 مليون روبية. وإذا حُسب المعدل نفسه على أساس شهري، فإن الإنفاق يصل إلى نحو 24.75 مليار روبية، بينما يقترب الإنفاق السنوي على وقود السيارات الحكومية وحده من 300 مليار روبية، وهو بلا ريب عبء مالي بارز على الخزانة الوطنية في ظل الظروف الراهنة.

ويُذكر أن هذا التقدير يقتصر على السيارات الحكومية المدنية فقط. فإذا أُضيفت سيارات المؤسسات شبه الحكومية، والشركات المستقلة، والهيئات، ومؤسسات البنية التحتية الكبرى، فقد يكون هذا الإنفاق أعلى من ذلك. وتشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن إجمالي الإنفاق على الوقود في مجمل الجهاز الحكومي قد يبلغ سنوياً نحو 350 مليار روبية.

وثمة نقطة أخرى بالغة الأهمية، وهي أن كثيراً من المسؤولين الحكوميين في باكستان لا يُمنحون السيارة فحسب، بل يُمنحون معها السائق، والصيانة، والوقود جميعاً على نفقة الخزانة العامة. ولهذا فإن الكلفة لا تقف عند الوقود وحده، بل تتجاوز ذلك إلى كلفة منظومة النقل بكاملها. فإذا أُضيفت إلى ذلك كلفة شراء السيارات، وصيانتها، وإطاراتها، ورواتب السائقين، فإن إجمالي كلفة نظام النقل الحكومي قد يصل سنوياً إلى ما بين 400 و450 مليار روبية.

🔸 التسهيلات الخاصة بالنقل الرسمي والوقود الممنوحة لضباط الخدمة المدنية الباكستانية:

في باكستان تُمنح السيارات والتسهيلات الوقودية للمسؤولين الحكوميين بحسب مناصبهم ورتبهم وطبيعة مؤسساتهم، وقد ظلت هذه التسهيلات زمناً طويلاً جزءاً ثابتاً من الامتيازات الممنوحة إلى البيروقراطية. وقد وُضعت في الحكومتين الاتحادية والإقليمية قواعد وحدود مختلفة لفئات المسؤولين بحسب درجاتهم.

ففي البيروقراطية الاتحادية، يستخدم مسؤولو الدرجة الثانية والعشرين، مثل السكرتير الاتحادي أو السكرتير العام، في الغالب سيارة حكومية مع سائق رسمي، بل قد يستخدمون أحياناً أكثر من سيارة واحدة. وتُذكر لهم عادة حصة شهرية من الوقود تتراوح بين 600 و700 لتر، مع أن بعض المناصب الخاصة تشهد استهلاكاً أعلى من ذلك، كما أن بعض السيارات لا تُحدد لها سقوف واضحة أصلاً، بل يُصرف لها الوقود على أساس الاستهلاك الفعلي، أي بما يشبه الاستخدام غير المحدود.

أما مسؤولو الدرجة الحادية والعشرين والعشرين فعادة ما تُخصص لهم سيارة حكومية واحدة، وتكون حصة الوقود لهم غالباً بين 200 و300 لتر شهرياً. وكذلك الحال بالنسبة إلى مسؤولي الدرجة التاسعة عشرة والثامنة عشرة، إذ كثيراً ما تُمنح لهم سيارة أو يُتاح لهم استخدام سيارة مشتركة، وتكون كمية الوقود لهم في العادة في حدود 150 إلى 250 لتراً شهرياً.

وكذلك في السلك القضائي، تُخصص لقضاة المحاكم العليا والقضاء المحلي سيارات حكومية، وتُحدد لهم عادة حصة شهرية من الوقود تتراوح بين 300 و500 لتر.

وبحسب الوثائق الحكومية المتاحة والسياسات الحديثة، يُمنح الوزراء الاتحاديون في العادة سيارة حكومية واحدة مع نحو 400 لتر من البنزين شهرياً، وقد تُوفَّر لهم في بعض الحالات سيارات إضافية لأغراض أمنية أو لمهام رسمية. وعلى المستوى الإقليمي، وخصوصاً في البنجاب، قد يُمنح الوزراء وكبار المسؤولين السياسيين أكثر من سيارة حكومية، وتُخصص للاستعمال الشخصي حصة تقارب 200 لتر شهرياً، في حين يبقى استهلاك الوقود للمهام الرسمية غير محدود.

وكذلك يُمنح مسؤولو الإدارة المحلية والشرطة، مثل المفوّض، ونائب المفوّض، وضابط الشرطة الإقليمي، سيارة حكومية مع مخصصات وقود. ووفقاً للسياسات الحديثة، يُمنح مسؤولو الدرجتين التاسعة عشرة والعشرين عادة 250 لتراً شهرياً، بينما يُمنح مسؤولو الدرجة الثامنة عشرة نحو 175 لتراً شهرياً.

وفوق ذلك، فإن أعلى المناصب الإدارية، مثل السكرتير العام أو المفتش العام للشرطة، قد تُخصص لها سيارتان أو ثلاث سيارات حكومية، وفي بعض الحالات قد تُحدد لكل سيارة حصة تصل إلى 800 لتر من الوقود، الأمر الذي قد يرفع إجمالي الكمية الشهرية المخصصة لهم إلى 1600 لتر أو أكثر.

🔸 أصدرت حكومة البنجاب في فبراير 2026 سياسة جديدة بعنوان Motor Transport Policy 2026، جرى بموجبها تنظيم تسهيلات السيارات الحكومية والوقود لكبار البيروقراطيين من جديد.

وبموجب هذه السياسة، سُمِح لكل من السكرتير العام للبنجاب والمفتش العام لشرطة البنجاب بالاحتفاظ بثلاث سيارات حكومية. وتشمل هذه السيارات سيارة حكومية سعة 2800 سي سي، وسيارة تجوال سعة 4700 سي سي، وسيارة للاستعمال الشخصي سعة 1800 سي سي. ووفقاً للتقرير، فقد خُصص لسيارة 2800 سي سي مقدار 500 لتر شهرياً من البنزين، وللسيارة الشخصية 1800 سي سي مقدار 300 لتر شهرياً، أما سيارة التجوال 4700 سي سي فقد سُمح بتزويدها بالوقود على أساس الاستهلاك الفعلي، بما يعني أنه لم تُحدد لها سقوف واضحة.

وبموجب هذه السياسة أيضاً، سيُمنح كبار المسؤولين سيارة منفصلة للاستعمال الشخصي، وقد بُرر ذلك بأن أفراد أسرهم قد يشعرون بالحرج عند الذهاب إلى الأماكن العامة في سيارة حكومية تحمل لوحة خضراء.

🔸 مراجعة مقارنة للتسهيلات الخاصة بالنقل الرسمي والوقود الممنوحة لضباط الخدمة المدنية في الهند:

إذا قورنت التسهيلات المتعلقة بالوقود أو السيارة التي تُمنح للمسؤولين الحكوميين في باكستان بما يُمنح لنظرائهم في الدولة المجاورة الهند، ظهرت أمامنا بعض الحقائق الميدانية المثيرة للاهتمام، وهي حقائق تكفي لفتح الأعين على أبعاد المسألة.

لقد بلغ عدد سكان باكستان اليوم نحو 260 مليون نسمة، في حين يُقدَّر العدد الإجمالي لضباط الخدمة المدنية الاتحادية، أي أولئك الذين ينضمون عبر امتحان CSS إلى الخدمة الإدارية الباكستانية، وخدمة شرطة باكستان، والخدمة الخارجية، وخدمة ضريبة الدخل، والجمارك، وسائر المجموعات الخدمية المركزية، بنحو 6500 ضابط.

وإذا نُظر إلى هذه النسبة بطريقة مبسطة، فإن معناها أن الموظف الواحد في الخدمة المدنية الاتحادية في باكستان تقع على عاتقه في المتوسط مسؤولية الإشراف على الشؤون الإدارية، وتنفيذ السياسات الحكومية، ومتابعة الخدمات العامة لما يقرب من أربعين ألف مواطن.

وفي المقابل، يُقدَّر عدد سكان الهند، وفقاً للتقديرات الحديثة، بنحو 1.48 مليار نسمة. ووفقاً للبيانات الرسمية، فإن العدد الإجمالي للضباط العاملين في الخدمات الهندية العامة، بما فيها الخدمة الإدارية الهندية، وخدمة الشرطة الهندية، والخدمة الخارجية الهندية، وغيرها من الخدمات، يُقدَّر بنحو 12500 ضابط. وإذا حُسبت النسبة على هذا الأساس، فإن الضابط الأعلى في الخدمة المدنية الهندية يتحمل في المتوسط عبء المسؤولية الإدارية والخدمية والحكومية لما يقرب من 120 ألف مواطن.

غير أن الصورة تصبح أكثر إثارة حين نرى أن عبء السكان على كل ضابط في الهند يزيد على نظيره في باكستان بما يقرب من ثلاثة أضعاف، ومع ذلك فإن ضباط الخدمة المدنية في باكستان يحصلون على تسهيلات النقل والوقود والسيارات الحكومية بدرجة من السخاء تبدو أكبر نسبياً.

وبحسب التعليمات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية الهندية من خلال Department of Expenditure، فإن كميات الوقود المخصصة للسيارات الحكومية تُقيد بحسب المنصب. ووفقاً لهذه الضوابط، لا يُسمح إلا لكبار المسؤولين جداً بكميات أعلى نسبياً من الوقود، ويكون حدها في العادة بين 200 و250 لتراً شهرياً، بينما تُحدد للفئات الأدنى من المسؤولين كمية تتراوح غالباً بين 100 و150 لتراً شهرياً.

وإذا نُظر إلى نظام السيارات الحكومية في البلدين بلغة الأرقام المجردة، فإن الصورة تبدو على النحو الآتي.

في الهند، يستهلك أسطول السيارات الحكومية يومياً في المتوسط نحو 5.6 إلى 5.7 ملايين لتر من الوقود، بينما يستهلك الأسطول الحكومي في باكستان يومياً نحو 2 إلى 2.5 مليون لتر.

غير أن السؤال الحقيقي ليس سؤال الكمية وحدها، بل سؤال الكفاءة. فمساحة باكستان تبلغ نحو 881 ألف كيلومتر مربع، في حين تبلغ مساحة الهند نحو 3.287 ملايين كيلومتر مربع، أي إن الهند أكبر من باكستان جغرافياً بما يقارب أربعة أضعاف. ومع ذلك، فإن النظر إلى استهلاك الوقود لكل سيارة وإلى بنية الامتيازات الرسمية يوحي بأن استهلاك الوقود في نظام النقل الحكومي الباكستاني يبدو أعلى كلفة نسبياً.

وهناك جانب آخر جدير بالانتباه أيضاً. فإذا كانت السيارات الحكومية في باكستان تستهلك يومياً نحو 2.5 مليون لتر من الوقود، فإن معنى ذلك أن ما يُنفق سنوياً على البنزين والديزل وحدهما يقترب من 300 مليار روبية. وهذه الكتلة المالية تعادل الموازنات السنوية لعدد من المشروعات الوطنية الكبرى. وبعبارة أبسط، فإن إنقاذ جزء يسير من هذه الأموال قد يكفي لتشغيل عشرات المشروعات النافعة ذات الجدوى العامة.

ولهذا كله، تبدو الحاجة ماسّة إلى جعل نظام النقل الحكومي والخدمة المدنية في باكستان أكثر كفاءة، وأكثر اقتصاداً، وأكثر شفافية.

ومن الضروري أيضاً أن نوضح هنا أن الأرقام الواردة في هذا المقال لا ينبغي أن تُفهم على أنها أرقام حكومية نهائية وحاسمة، بل هي تقديرات جرى ترتيبها على ضوء وثائق السياسات، وتقارير التدقيق، والقواعد الإدارية المختلفة.

وغاية هذا المقال ليست إلا أن يدفع المؤسسات الحكومية، والباحثين، ومراكز الفكر، إلى تناول هذا الموضوع بجدية، وإلى عرض بيانات صحيحة ومتكاملة عن استخدام السيارات الحكومية واستهلاك الوقود أمام الرأي العام، حتى تنتقل المناقشة من دائرة التخمين والافتراض إلى دائرة الحقائق الواضحة الصريحة.
2
Views
50
23

المزيد من المقالات

Image

المبنى الذي استشهد فيه المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي كان في الأصل قصراً يعود إلى شاه ...

(العربية)
Image

الحلقة الثانية: خمس سنوات من مشروع سي بي دي لاهور 2021 إلى 2026 ▫️ ماذا أنجزت هيئة تطوير المنطقة...

(العربية)
Image

الحلقة 1: أتمّ الحيّ التجاري المركزي، أي سي بي دي غُلبرغ لاهور، خمس سنوات في 26 فبراير 2026. ▫️أ...

(العربية)
Image

في الأيام الأخيرة شاع في وسائل التواصل الاجتماعي قولٌ مفاده أن المحكمة العليا قد أبطلت حقَّ المر...

(العربية)